مجمع البحوث الاسلامية

472

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

يزل القلب مضطربا في الإذعان به ، وإذا تمّ التّعقّل وعقد القلب عليه ، لم يخالفه باتّباع ما يخالفه من الهوى ، فكان ما في قلبه هو الظّاهر في جوارحه ، وكان ما يقوله هو الّذي يفعله ، وقوله : « ولا يكون أحد كذلك » إلخ ، بيان لعلامة الرّسوخ في العلم . وفي « الدّرّ المنثور » أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطّبرانيّ ، عن أنس وأبي أمامة ووائلة بن أسقف وأبي الدّرداء : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سئل عن الرّاسخين في العلم ، فقال : « من برّت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه ، ومن عفّ بطنه وفرجه ، فذلك من الرّاسخين في العلم » . أقول : ويمكن توجيه الرّواية بما يرجع إلى معنى الحديث السّابق . وفي « الكافي » عن الباقر عليه السّلام : « أنّ الرّاسخين في العلم من لا يختلف في علمه » . أقول : وهو منطبق على الآية ، فإنّ الرّاسخين في العلم قوبل به فيها قوله : الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ، فيكون رسوخ العلم عدم اختلاف العالم وارتيابه . وفي « الدّرّ المنثور » : أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والتّرمذيّ وابن جرير والطّبرانيّ وابن مردويه ، عن امّ سلمة : « أنّ رسول اللّه كان يكثر في دعائه أن يقول : اللّهمّ مقلّب القلوب ، ثبّت قلبي على دينك » قلت : يا رسول اللّه وإنّ القلوب لتتقلّب ؟ قال : « نعم ، ما خلق اللّه من بشر من بني آدم ، إلّا وقلبه بين إصبعين من أصابع اللّه ، فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه » ، الحديث . أقول : وروي هذا المعنى بطرق عديدة عن عدّة من الصّحابة كجابر ونواس بن شمعان وعبد اللّه بن عمر وأبي هريرة ، والمشهور في هذا الباب ما في حديث نواس : « قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرّحمان » وقد روى اللّفظة - فيما أظنّ - الشّريف الرّضي في « المجازات النّبوّية » . وروي عن عليّ عليه السّلام : أنّه قيل له : هل عندكم شيء من الوحي ؟ قال : « لا والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة ، إلّا أن يعطي اللّه عبدا فهما في كتابه » . أقول : وهو من غرر الأحاديث ، وأقلّ ما يدلّ عليه أنّ ما نقل من أعاجيب المعارف الصّادرة عن مقامه العلميّ الّذي يدهش العقول ، مأخوذ من القرآن الكريم . وفي « الكافي » عن الصّادق عن أبيه عن آبائه عليهم السّلام قال : قال رسول اللّه عليه السّلام : « يا أيّها النّاس إنّكم في دار هدنة ، وأنتم على ظهر سفر ، والسّير بكم سريع ، وقد رأيتم اللّيل والنّهار ، والشّمس والقمر ، يبليان كلّ جديد ، ويقرّبان كلّ بعيد ويأتيان بكلّ موعود ، فأعدّوا الجهاز لبعد المجاز » ، قال : فقام المقداد بن الأسود فقال : يا رسول اللّه ، وما دار الهدنة ؟ فقال : « دار بلاغ وانقطاع ، فإذا التبست عليكم الفتن كقطع اللّيل المظلم ، فعليكم بالقرآن ، فإنّه شافع مشفّع ، وما حل مصدّق ، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنّة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النّار ، وهو الدّليل يدلّ على خير سبيل ، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل ، وهو الفصل ليس بالهزل وله ظهر وبطن ، فظاهره حكم ، وباطنه علم ، ظاهره أنيق ، وباطنه عميق ، له تخوم ، وعلى تخومه تخوم ، لا تحصى عجائبه